محمد بن محمد ابو شهبة
261
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي » . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : أنا أعذرك منه ، إن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج - وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته « 1 » الحمية ، فقال لسعد : كذبت لعمر اللّه لا تقتله ولا تقدر على قتله ، فقام أسيد بن حضير « 2 » وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين « 3 » ، فتثاور الحيان الأوس والخزرج ، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائم على المنبر ، فلم يزل رسول اللّه يخفّضهم حتى سكتوا وسكت . فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، فأصبح أبواي عندي ، وقد بقيت ليلتين ويوما . . . فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، فبينما نحن على ذلك دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسلّم ثم جلس ، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأننا ، فتشهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين جلس ثم قال : « أما بعد : يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه » فلما قضى مقالته قلص دمعي « 4 » حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب رسول اللّه فيما قال ، قال : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه ، فقلت لأمي : أجيبي رسول اللّه قالت : ما أدري ما أقول لرسول اللّه ، قلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القران : إني
--> ( 1 ) احتملته : أي غلبته العصبية . ( 2 ) أسيد : هو بالتصغير في اسمه واسم أبيه . ( 3 ) أي صنيعك في المجادلة عن ابن أبيّ صنيع المنافقين . ( 4 ) قلص : جف من شدة الحزن والأسى .